فصل: تفسير الآيات رقم (1- 31)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن ***


سورة القيامة

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 40‏]‏

‏{‏لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ‏(‏1‏)‏ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ‏(‏2‏)‏ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ‏(‏3‏)‏ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ‏(‏4‏)‏ بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ‏(‏5‏)‏ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ‏(‏6‏)‏ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ‏(‏7‏)‏ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ‏(‏8‏)‏ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ‏(‏9‏)‏ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ‏(‏10‏)‏ كَلَّا لَا وَزَرَ ‏(‏11‏)‏ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ‏(‏12‏)‏ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ‏(‏13‏)‏ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ‏(‏14‏)‏ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ‏(‏15‏)‏ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ‏(‏16‏)‏ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ ‏(‏17‏)‏ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ ‏(‏18‏)‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ‏(‏19‏)‏ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ‏(‏20‏)‏ وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ ‏(‏21‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ‏(‏22‏)‏ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ‏(‏23‏)‏ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ‏(‏24‏)‏ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ‏(‏25‏)‏ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ‏(‏26‏)‏ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ‏(‏27‏)‏ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ‏(‏28‏)‏ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ‏(‏29‏)‏ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ‏(‏30‏)‏ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ‏(‏31‏)‏ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ‏(‏32‏)‏ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ‏(‏33‏)‏ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ‏(‏34‏)‏ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ‏(‏35‏)‏ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ‏(‏36‏)‏ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ‏(‏37‏)‏ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ‏(‏38‏)‏ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ‏(‏39‏)‏ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ‏(‏40‏)‏‏}‏

هذه السورة الصغيرة تحشد على القلب البشري من الحقائق والمؤثرات والصور والمشاهد، والإيقاعات واللمسات، ما لا قبل له بمواجهته ولا التفلت منه‏.‏‏.‏ تحشدها بقوة، في أسلوب خاص، يجعل لها طابعاً قرآنياً مميزاً، سواء في أسلوب الأداء التعبيري، أو أسلوب الأداء الموسيقي، حيث يجتمع هذا وذاك على إيقاع تأثير شعوري قوي، تصعب مواجهته ويصعب التفلت منه أيضاً‏!‏

إنها تبدأ في الآيتين الأوليين منها بإيقاع عن القيامة، وإيقاع عن النفس‏:‏ ‏{‏لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة‏}‏‏.‏‏.‏ ثم يستطرد الحديث فيها متعلقاً بالنفس ومتعلقاً بالقيامة، من المطلع إلى الختام، تزاوج بين النفس وبين القيامة حتى تنتهي‏.‏ وكأن هذا المطلع إشارة إلى موضوع السورة‏.‏ أو كأنه اللازمة الإيقاعية التي ترتد إليها كل إيقاعات السورة، بطريقة دقيقة جميلة‏.‏‏.‏

من تلك الحقائق الكبيرة التي تحشدها هذه السورة في مواجهة القلب البشري، وتضرب بها عليه حصاراً لا مهرب منه‏.‏‏.‏ حقيقة الموت القاسية الرهيبة التي تواجه كل حي، فلا يملك لها رداً، ولا يملك لها أحد ممن حوله دفعاً‏.‏ وهي تتكرر في كل لحظة، ويواجهها الكبار والصغار، والأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعاف، ويقف الجميع منها موقفاً واحداً‏.‏‏.‏ لا حيلة‏.‏ ولا وسيلة‏.‏ ولا قوة‏.‏ ولا شفاعة‏.‏ ولا دفع‏.‏ ولا تأجيل‏.‏‏.‏ مما يوحي بأنها قادمة من جهة عليا لا يملك البشر معها شيئاً‏.‏ ولا مفر من الاستسلام لها، والاستسلام لإرادة تلك الجهة العليا‏.‏‏.‏ وهذا هو الإيقاع الذي تمس به السورة القلوب وهي تقول‏:‏ ‏{‏كلا‏!‏ إذا بلغت التراقي، وقيل‏:‏ من راق‏؟‏ وظن أنه الفراق‏.‏ والتفَّت الساق بالساق‏.‏‏.‏ إلى ربك يومئذ المساق‏}‏‏.‏‏.‏

ومن تلك الحقائق الكبيرة التي تعرضها السورة، حقيقة النشأة الأولى، ودلالتها على صدق الخبر بالنشأة الأخرى، وعلى أن هناك تدبيراً في خلق هذا الإنسان وتقديراً‏.‏‏.‏ وهي حقيقة يكشف الله للناس عن دقة أدوارها وتتابعها في صنعة مبدعة، لا يقدر عليها إلا الله، ولا يدعها أحد ممن يكذبون بالآخرة ويتمارون فيها‏.‏ فهي قاطعة في أن هناك إلهاً واحداً يدبر هذا الأمر ويقدره؛ كما أنها بينة لا ترد على يسر النشأة الآخرة، وإيحاء قوي بضرورة النشأة الآخرة، تمشياً مع التقدير والتدبير الذي لا يترك هذا الإنسان سدى، ولا يدع حياته وعمله بلا وزن ولا حساب‏.‏‏.‏ وهذا هو الإيقاع الذي تمس السورة به القلوب وهي تقول في أولها‏:‏ ‏{‏أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه‏؟‏‏}‏ ثم تقول في آخرها‏:‏ ‏{‏أيحسب الإنسان أن يترك سدى‏؟‏ ألم يك نطفة من مني يمنى‏؟‏ ثم كان علقة فخلق فسوى‏؟‏ فجعل منه الزوجين‏:‏ الذكر والأنثى‏؟‏ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

ومن المشاهد المؤثرة التي تحشدها السورة، وتواجه بها القلب البشري مواجهة قوية‏.‏

‏.‏ مشهد يوم القيامة وما يجري فيه من انقلابات كونية، ومن اضطرابات نفسية، ومن حيرة في مواجهة الأحداث الغالبة حيث يتجلى الهول في صميم الكون، وفي أغوار النفس وهي تروغ من هنا ومن هناك كالفأر في المصيدة‏!‏ وذلك رداً على تساؤل الإنسان عن يوم القيامة في شك واستبعاد ليومها المغيب، واستهانة بها ولجاج في الفجور‏.‏ فيجيء الرد في إيقاعات سريعة، ومشاهد سريعة، وومضات سريعة‏:‏ ‏{‏بل يريد الإنسان ليفجر أمامه‏.‏ يسأل‏:‏ أيان يوم القيامة‏.‏ فإذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر، يقول الإنسان يومئذ‏:‏ أين المفر‏؟‏ كلا‏!‏ لا وزر، إلى ربك يومئذ المستقر، ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر‏.‏ بل الإنسان على نفسه بصيره، ولو ألقى معاذيره‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

ومن هذه المشاهد مشهد المؤمنين المطمئنين إلى ربهم، المتطلعين إلى وجهه الكريم في ذلك الهول‏.‏ ومشهد الآخرين المقطوعين الصلة بالله، وبالرجاء فيه، المتوقعين عاقبة ما أسلفوا من كفر ومعصية وتكذيب‏.‏ وهو مشهد يعرض في قوة وحيوية كأنه حاضر لحظة قراءة القرآن‏.‏ وهو يعرض رداً على حب الناس للعاجلة، وإهمالهم للآخرة‏.‏ وفي الآخرة يكون هذا الذي يكون‏:‏ ‏{‏كلا‏!‏ بل تحبون العاجلة، وتذرون الآخرة‏.‏ وجوه يؤمئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة‏.‏ ووجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة‏!‏‏}‏‏.‏‏.‏

وفي ثنايا السورة وحقائقها تلك ومشاهدها تعترض أربع آيات تحتوي توجيهاً خاصاً للرسول صلى الله عليه وسلم وتعليماً له في شأن تلقي هذا القرآن‏.‏ ويبدو أن هذا التعليم جاء بمناسبة حاضرة في السورة ذاتها‏.‏ إذ كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخاف أن ينسى شيئاً مما يوحى إليه، فكان حرصه على التحرز من النسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرة فقرة في أثناء تلقيه؛ وتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه‏.‏ فجاءه هذا التعليم‏:‏ ‏{‏لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه، فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه‏}‏‏.‏‏.‏ جاءه هذا التعليم ليطمئنه إلى أن أمر هذا الوحي، وحفظ هذا القرآن، وجمعه، وبيان مقاصده‏.‏‏.‏ كل أولئك موكول إلى صاحبه‏.‏ ودوره هو، هو التلقي والبلاغ‏.‏ فليطمئن بالاً، وليتلق الوحي كاملاً، فيجده في صدره منقوشاً ثابتاً‏.‏‏.‏ وهكذا كان‏.‏‏.‏ فأما هذا التعليم فقد ثبت في موضعه حيث نزل‏.‏‏.‏ أليس من قول الله‏؟‏ وقول الله ثابت في أي غرض كان‏؟‏ ولأي أمر أراد‏؟‏ وهذه كلمة من كلماته تثبت في صلب الكتاب شأنها شأن بقية الكتاب‏.‏‏.‏ ودلالة إثبات هذه الآيات في موضعها هذا من السورة دلالة عميقة موحية على حقيقة لطيفة في شأن كل كلمات الله في أي اتجاه‏.‏‏.‏ وفي شأن هذا القرآن وتضمنه لكل كلمات الله التي أوحى بها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لم يُخرم منها حرف، ولم تند منها عبارة‏.‏

فهو الحق والصدق والتحرج والوقار‏!‏

وهكذا يشعر القلب وهو يواجه هذه السورة أنه محاصر لا يهرب‏.‏ مأخوذ بعمله لا يفلت‏.‏ لا ملجأ له من الله ولا عاصم‏.‏ مقدرة نشأته وخطواته بعلم الله وتدبيره، في النشأة الأولى وفي النشأة الآخرة سواء، بينما هو يلهو ويلعب ويغتر ويتبطر‏:‏ ‏{‏فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى‏.‏ ثم ذهب إلى أهله يتمطى‏}‏‏.‏‏.‏

وفي مواجهة تلك الحشود من الحقائق والمؤثرات واللمسات والإيحاءات يسمع التهديد الملفوف‏:‏ ‏{‏أولى لك فأولى‏.‏ ثم أولى لك فأولى‏}‏ فيكون له وقعة ومعناه‏!‏

وهكذا تعالج السورة عناد هذا القلب وإعراضه وإصراره ولهوه‏.‏ وتشعره بالجد الصارم الحازم في هذا الشأن، شأن القيامة، وشأن النفس، وشأن الحياة المقدرة بحساب دقيق‏.‏ ثم شأن هذا القرآن الذي لا يخرم منه حرف، لأنه من كلام العظيم الجليل، الذي تتجاوب جنبات الوجود بكلماته، وتثبت في سجل الكون الثابت، وفي صلب هذا الكتاب الكريم‏.‏

وقد عرضنا نحن لحقائق السورة ومشاهدها فرادى لمجرد البيان‏.‏ وهي في نسق السورة شيء آخر‏.‏ إذ أن تتابعها في السياق، والمزاوجة بينها هنا وهناك، ولمسة القلب بجانب من الحقيقة مرة، ثم العودة إليه بالجانب الآخر بعد فترة‏.‏‏.‏ كل ذلك من خصائص الأسلوب القرآني في مخاطبة القلب البشري؛ مما لا يبلغ إليه أسلوب آخر، ولا طريقة أخرى‏.‏‏.‏

فلنأخذ في مواجهة السورة كما هي في سياقها القرآني الخاص‏:‏

‏{‏لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة، أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه‏؟‏ بلى قادرين على أن نسوي بنانه، بل يريد الإنسان ليفجر أمامه، يسأل‏:‏ أيان يوم القيامة‏؟‏ فإذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر‏.‏‏.‏ يقول الإنسان يومئذ‏:‏ أين المفر‏؟‏ كلا لا وزر‏.‏ إلى ربك يومئذ المستقر، ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر، بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره‏}‏‏.‏‏.‏

هذا التلويح بالقسم مع العدول عنه أوقع في الحس من القسم المباشر؛ وهذا الوقع هو المقصود من العبارة، وهو يتم أحسن تمام بهذا الأسلوب الخاص، الذي يتكرر في مواضع مختلفة من القرآن‏.‏‏.‏ ثم تبرز من ورائه حقيقة القيامة وحقيقة النفس اللوامة‏.‏

وحقيقة القيامة سيرد عنها الكثير في مواضعه في السورة‏.‏ فأما النفس اللوامة ففي التفسيرات المأثورة أقوال متنوعة عنها‏.‏‏.‏ فعن الحسن البصري‏:‏ إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه‏:‏ ما أردت بكلمتي‏؟‏ ما أردت بأكلتي‏؟‏ ما أردت بحديث نفسي‏؟‏ وإن الفاجر يمضي قدماً ما يعاتب نفسه‏.‏‏.‏ وعن الحسن‏:‏ ليس أحد من أهل السماوات والأرضين إلا يلوم نفسه يوم القيامة‏.‏‏.‏ وعن عكرمة‏:‏ تلوم على الخير والشر‏:‏ لو فعلت كذا وكذا‏!‏ كذلك عن سعيد بن جبير‏.‏‏.‏ وعن ابن عباس‏:‏ هي النفس اللؤوم‏.‏ وعنه أيضاً‏:‏ اللوامة المذمومة‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ تندم على ما فات وتلوم عليه‏.‏‏.‏ وعن قتادة‏:‏ الفاجرة‏.‏

‏.‏ وقال جرير‏:‏ وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، والأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات‏.‏

ونحن نختار في معنى ‏{‏النفس اللوامة‏}‏ قول الحسن البصري‏:‏ «إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه‏:‏ ما أردت بكلمتي‏؟‏ ما أردت بأكلتي‏؟‏ ما أردت بحديث نفسي‏؟‏ وإن الفاجرة يمضي قدماً ما يعاتب نفسه»‏.‏‏.‏

فهذه النفس اللوامة المتيقظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب نفسها، وتتلفت حولها، وتتبين حقيقة هواها، وتحذر خداع ذاتها هي النفس الكريمة على الله، حتى ليذكرها مع القيامة‏.‏ ثم هي الصورة المقابلة للنفس الفاجرة‏.‏ نفس الإنسان الذي يريد أن يفجر ويمضي قدماً في الفجور، والذي يكذب ويتولى ويذهب إلى أهله يتمطى دون حساب لنفسه ودون تلوم ولا تحرج ولا مبالاة‏!‏

‏{‏لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة‏}‏‏.‏‏.‏ على وقوع هذه القيامة، ولكنه لما عدل عن القسم، عدل عن ذكر المقسم به، وجاء به في صورة أخرى كأنها ابتداء لحديث بعد التنبيه إليه بهذا المطلع الموقظ‏:‏

‏{‏أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه‏؟‏ بلى قادرين على أن نسوي بنانه‏}‏‏.‏‏.‏

وقد كانت المشكلة الشعورية عند المشركين هي صعوبة تصورهم لجمع العظام البالية، الذاهبة في التراب، المتفرقة في الثرى، لإعادة بعث الإنسان حياً‏!‏ ولعلها لا تزال كذلك في بعض النفوس إلى يومنا هذا‏!‏ والقرآن يرد على هذا الحسبان بعدم جمع العظام مؤكداً وقوعه‏:‏ ‏{‏بلى‏!‏ قادرين على أن نسوي بنانه‏}‏‏.‏‏.‏ والبنان أطراف الأصابع؛ والنص يؤكد عملية جمع العظام، بما هو أرقى من مجرد جمعها، وهو تسوية البنان، وتركيبه في موضعه كما كان‏!‏ وهي كناية عن إعادة التكوين الإنساني بأدق ما فيه، وإكماله بحيث لا تضيع منه بنان، ولا تختل عن مكانها، بل تسوى تسوية، لا ينقص معها عضو ولا شكل هذا العضو، مهما صغر ودق‏!‏

ويكتفي هنا بهذا التقرير المؤكد، وسيجيء في نهاية السورة دليل آخر من واقع النشأة الأولى‏.‏ إنما يخلص هنا إلى الكشف عن العلة النفسية في هذا الحسبان، وتوقع عدم جمع العظام‏.‏‏.‏ إن هذا الإنسان يريد أن يفجر، ويمضي قدماً في الفجور، ولا يريد أن يصده شيء عن فجوره، ولا أن يكون هناك حساب عليه وعقاب‏.‏ ومن ثم فهو يستبعد وقوع البعث، ويستبعد مجيء يوم القيامة‏:‏

‏{‏بل يريد الإنسان ليفجر أمامه‏.‏ يسأل أيان يوم القيامة‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

والسؤال بأيان هذا اللفظ المديد الجرس يوحي باستبعاده لهذا اليوم‏.‏‏.‏ وذلك تمشياً مع رغبته في أن يفجر ويمضي في فجوره، لا يصده شبح البعث وشبح الآخرة‏.‏‏.‏ والآخرة لجام للنفس الراغبة في الشر، ومصد للقلب المحب للفجور‏.‏ فهو يحاول إزالة هذا المصد، وإزاحة هذا اللجام، لينطلق في الشر والفجور بلا حساب ليوم الحساب‏.‏

ومن ثم كان الجواب على التهكم بيوم القيامة واستبعاد موعدها، سريعاً خاطفاً حاسماً، ليس فيه تريث ولا إبطاء حتى في إيقاع النظم، وجرس الألفاظ‏.‏

وكان مشهداً من مشاهد القيامة تشترك فيه الحواس والمشاعر الإنسانية، والمشاهد الكونية‏:‏

‏{‏فإذا برق البصر‏.‏ وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر‏.‏ يقول الإنسان يومئذ أين المفر‏؟‏‏}‏‏.‏

فالبصر يخطف ويتقلب سريعاً سريعاً تقلب البرق وخطفه‏.‏ والقمر يخسف ويطمس نوره‏.‏ والشمس تقترن بالقمر بعد افتراق‏.‏ ويختل نظامهما الفلكي المعهود، حيث ينفرط ذلك النظام الكوني الدقيق‏.‏‏.‏ وفي وسط هذا الذعر والانقلاب، يتساءل الإنسان المرعوب‏:‏ ‏{‏أين المفر‏؟‏‏}‏ ويبدو في سؤاله الارتياع والفزع، وكأنما ينظر في كل اتجاه، فإذا هو مسدود دونه، مأخوذ عليه‏!‏

ولا ملجأ ولا وقاية، ولا مفر من قهر الله وأخذه، والرجعة إليه، والمستقر عنده؛ ولا مستقر غيره‏:‏

‏{‏كلا‏!‏ لا وزر‏.‏ إلى ربك يومئذ المستقر‏}‏‏.‏‏.‏

وما كان يرغب فيه الإنسان من المضي في الفجور بلا حساب ولا جزاء، لن يكون يومئذ، بل سيكون كل ما كسبه محسوباً، وسيذكر به إن كان نسيه، ويؤخذ به بعد أن يذكره ويراه حاضراً‏:‏

‏{‏ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر‏}‏‏.‏‏.‏

بما قدمه من عمل قبل وفاته، وبما أخره وراءه من آثار هذا العمل خيراً كان أم شراً‏.‏ فمن الأعمال ما يخلف وراءه آثاراً تضاف لصاحبها في ختام الحساب‏!‏

ومهما اعتذر الإنسان بشتى المعاذير عما وقع منه، فلن يقبل منها عذر، لأن نفسه موكولة إليه، وهو موكل بها، وعليه أن يهديها إلى الخير ويقودها‏.‏ فإذا انتهى بها إلى الشر فهو مكلف بها وحجة عليها‏:‏

‏{‏بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره‏}‏‏.‏‏.‏

ومما يلاحظ أن كل شيء سريع قصير‏:‏ الفقر‏.‏ والفواصل‏.‏ والإيقاع الموسيقي‏.‏ والمشاهد الخاطفة‏.‏ وكذلك عملية الحساب‏:‏ ‏{‏ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر‏}‏ هكذا في سرعة وإجمال‏.‏‏.‏ ذلك أنه رد على استطالة الأمد والاستخفاف بيوم الحساب‏!‏

ثم تجيء الآيات الأربع الخاصة بتوجيه الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن الوحي وتلقي هذا القرآن‏:‏

‏{‏لا تحرك به لسانك لتعجل به‏.‏ إن علينا جمعه وقرآنه‏.‏ فإذا قرأناه فاتبع قرآنه‏.‏ ثم إن علينا بيانه‏}‏‏.‏‏.‏

وبالإضافة إلى ما قلناه في مقدمة السورة عن هذه الآيات، فإن الإيحاء الذي تتركه في النفس هو تكفل الله المطلق بشأن هذا القرآن‏:‏ وحياً وحفظاً وجمعاً وبياناً؛ وإسناده إليه سبحانه وتعالى بكليته‏.‏ ليس للرسول صلى الله عليه وسلم- من أمره إلا حمله وتبليغه‏.‏ ثم لهفة الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة حرصه على استيعاب ما يوحى إليه؛ وأخذه مأخذ الجد الخالص، وخشيته أن ينسى منه عبارة أو كلمة، مما كان يدعوه إلى متابعة جبريل عليه السلام في التلاوة آية آية وكلمة كلمة يستوثق منها أن شيئاً لم يفته، ويثبت من حفظه له فيما بعد‏!‏

وتسجيل هذا الحادث في القرآن المتلو له قيمته في تعميق هذه الإيحاءات التي ذكرناها هنا وفي مقدمة السورة بهذا الخصوص‏.‏

ثم يمضي سياق السورة في عرض مشاهد القيامة وما يكون فيها من شأن النفس اللوامة، فيذكرهم بحقيقة نفوسهم وما يعتلج فيها من حب للدنيا وانشغال، ومن إهمال للآخرة وقلة احتفال؛ ويواجههم بموقفهم في الآخرة بعد هذا وما ينتهي إليه حالهم فيها‏.‏ ويعرض لهم هذا الموقف في مشهد حي قوي الإيحاء عميق الإيقاع‏:‏

‏{‏كلا‏.‏ بل تحبون العاجلة، وتذرون الآخرة‏.‏ وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة؛ ووجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة‏}‏‏.‏‏.‏

وأول ما يلحظ من ناحية التناسق في السياق هو تسمية الدنيا بالعاجلة في هذا الموضع‏.‏ ففضلا عن إيحاء اللفظ بقصر هذه الحياة وسرعة انقضائها وهو الإيحاء المقصود فإن هناك تناسقاً بين ظل اللفظ وظل الموقف السابق المعترض في السياق، وقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ‏{‏لا تحرك به لسانك لتعجل به‏}‏‏.‏‏.‏ فهذا التحريك وهذه العجلة هي أحد ظلال السمة البشرية في الحياة الدنيا‏.‏‏.‏ وهو تناسق في الحس لطيف دقيق يلحظه التعبير القرآني في الطريق‏!‏

ثم نخلص إلى الموقف الذي يرسمه هذا النص القرآني الفريد‏:‏

‏{‏وجوه يؤمئذ ناضرة‏.‏ إلى ربها ناظرة‏}‏‏.‏‏.‏

إن هذا النص ليشير إشارة سريعة إلى حالة تعجز الكلمات عن تصويرها؛ كما يعجز الإدراك عن تصورها بكل حقيقتها‏.‏ ذلك حين يعد الموعودين السعداء بحالة من السعادة لاتشبهها حالة‏.‏ حتى لتتضاءل إلى جوارها الجنة بكل ما فيها من ألوان النعيم‏!‏

هذه الوجوه الناضرة‏.‏‏.‏ نضرها أنها إلى ربها ناظرة‏.‏‏.‏

إلى ربها‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ فأي مستوى من الرفعة هذا‏؟‏ أي مستوى من السعادة‏؟‏

إن روح الإنسان لتستمتع أحياناً بلمحة من جمال الإبداع الإلهي في الكون أو النفس، تراها في الليلة القمراء‏.‏ أو الليل الساجي‏.‏ أو الفجر الوليد‏.‏ أو الظل المديد‏.‏ أو البحر العباب‏.‏ أو الصحراء المنسابة‏.‏ أو الروض البهيج‏.‏ أو الطلعة البهية‏.‏ أو القلب النبيل‏.‏ أو الإيمان الواثق‏.‏ أو الصبر الجميل‏.‏‏.‏ إلى آخر مطالع الجمال في هذا الوجود‏.‏‏.‏ فتغمرها النشوة، وتفيض بالسعادة، وترف بأجنحة من نور في عوالم مجنحة طليقة‏.‏ وتتوارى عنها أشواك الحياة، وما فيها من ألم وقبح، وثقلة طين وعرامة لحم ودم، وصراع شهوات وأهواء‏.‏‏.‏

فكيف‏؟‏ كيف بها وهي تنظر لا إلى جمال صنع الله ولكن إلى جمال ذات الله‏؟‏

ألا إنه مقام يحتاج أولاً إلى مد من الله‏.‏ ويحتاج ثانياً إلى تثبيت من الله‏.‏ ليملك الإنسان نفسه، فيثبت، ويستمتع بالسعادة، التي لا يحيط بها وصف، ولا يتصور حقيقتها إدراك‏!‏

‏{‏وجوه يومئذ ناضرة‏.‏‏.‏ إلى ربها ناظرة‏}‏‏.‏‏.‏

ومالها لا تتنضر وهي إلى جمال ربها تنظر‏؟‏

إن الإنسان لينظر إلى شيء من صنع الله في الأرض‏.‏

من طلعة بهية، أو زهرة ندية، أو جناح رفاف، أو روح نبيل، أو فعل جميل‏.‏ فإذا السعادة تفيض من قلبه على ملامحه، فيبدو فيها الوضاءة والنضارة‏.‏ فكيف بها حين تنظر إلى جمال الكمال‏.‏ مطلقاً من كل ما في الوجود من شواغل عن السعادة بالجمال‏؟‏ فما تبلغ الكينونة الإنسانية ذلك المقام، إلا وقد خلصت من كل شائبة تصدها عن بلوغ ذلك المرتقى الذي يعز على الخيال‏!‏ كل شائبة لا فيما حولها فقط، ولكن فيها هي ذاتها من دواعي النقص والحاجة إلى شيء ما سوى النظر إلى الله‏.‏‏.‏

فأما كيف تنظر‏؟‏ بأي جارحة تنظر‏؟‏ وبأي وسيلة تنظر‏؟‏‏.‏‏.‏ فذلك حديث لا يخطر على قلب يمسه طائف من الفرح الذي يطلقه النص القرآني، في القلب المؤمن، والسعادة التي يفيضها على الروح، والتشوف والتطلع والانطلاق‏!‏

فما بال أناس يحرمون أرواحهم أن تعانق هذا النور الفائض بالفرح والسعادة‏؟‏ ويشغلونها بالجدل حول مطلق، لا تدركه العقول المقيدة بمألوفات العقل ومقرراته‏؟‏‏!‏

إن ارتقاء الكينونة الإنسانية وانطلاقها من قيود هذه الكينونة الأرضية المحدودة، هو فقط محط الرجاء في التقائها بالحقيقة الطليقة يومذاك‏.‏ وقبل هذا الانطلاق سيعز عليها أن تتصور مجرد تصور كيف يكون ذلك اللقاء‏.‏

وإذن فقد كان جدلاً ضائعاً ذلك الجدل الطويل المديد الذي شغل به المعتزلة أنفسهم ومعارضيهم من أهل السنة والمتكلمين حول حقيقة النظر والرؤية في مثل ذلك المقام‏.‏

لقد كانوا يقيسون بمقاييس الأرض؛ ويتحدثون عن الإنسان المثقل بمقررات العقل في الأرض؛ ويتصورون الأمر بالمدارك المحدودة المجال‏.‏

إن مدلول الكلمات ذاته مقيد بما تدركه عقولنا وتصوراتنا المحدودة‏.‏ فإذا انطلقت وتحررت من هذه التصورات فقد تتغير طبيعة الكلمات‏.‏ فالكلمات ليست سوى رموز يختلف ما ترمز إليه بحسب التصورات الكامنة في مدارك الإنسان‏.‏ فإذا تغيرت طاقته تغير معها رصيده من التصورات، وتغيرت معها طبيعة مدلول الكلمات‏.‏ ونحن نتعامل في هذه الأرض بتلك الرموز على قدر حالنا‏!‏ فما لنا نخوض في أمر لا يثبت لنا منه حتى مدلول الكلمات‏؟‏‏!‏

فلنتطلع إلى فيض السعادة الغامر الهادئ، وفيض الفرح المقدس الطهور، الذي ينطلق من مجرد تصورنا لحقيقة الموقف على قدر ما نملك‏.‏ ولنشغل أرواحنا بالتطلع إلى هذا الفيض؛ فهذا التطلع ذاته نعمة‏.‏ لا تفوقها إلا نعمة النظر إلى وجهه الكريم‏.‏‏.‏

‏{‏ووجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة‏}‏‏.‏

وهي الوجوه الكالحة المتقبضة التعيسة، المحجوبة عن النظر والتطلع، بخطاياها وارتكاسها وكثافتها وانطماسها‏.‏ وهي التي يشغلها ويحزنها ويخلع عليها البسر والكلوحة توقعها أن تحل بها الكارثة القاصمة للظهر، المحطمة للفقار‏.‏‏.‏ الفاقرة‏.‏ وهي من التوقع والتوجس في كرب وكلوحة وتقبض وتنغيص‏.‏‏.‏

فهذه هي الآخرة التي يذرونها ويهملونها؛ ويتجهون إلى العاجلة يحبونها ويحفلونها‏.‏ ووراءهم هذا اليوم الذي تختلف فيه المصائر والوجوه، هذا الاختلاف الشاسع البعيد‏!‏‏!‏‏!‏ من وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة إلى وجوه يومئذ باسرة، تظن أن يفعل بها فاقرة‏!‏‏!‏‏!‏

وإذا كانت مشاهد القيامة‏.‏

‏.‏ إذا برق البصر، وخسف القمر، وجمع الشمس والقمر، وقال الإنسان يومئذ أين المفر‏.‏ ولا مفر‏.‏ وإذا اختلفت المصائر والوجوه، ذلك الاختلاف الشاسع البعيد، فكانت وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة‏.‏‏.‏

إذا كانت تلك المشاهد تستمد قوتها وإيقاعها في النفس، من قوة الحقيقة الكامنة فيها، وقوة الأداء القرآني الذي يشخصها ويحييها، فإن السورة بعد عرض تلك المشاهد تقرب وتقرب حتى تلمس حس المخاطبين بمشهد آخر حاضر واقع مكرور، لا تمر لحظة حتى يواجههم في هذه الأرض بقوته ووضوحه ووزنه الثقيل‏!‏

إنه مشهد الموت‏.‏ الموت الذي ينتهي إليه كل حي، والذي لا يدفعه عن نفسه ولا عن غيره حي‏.‏ الموت الذي يفرق الأحبة، ويمضي في طريقه لا يتوقف، ولا يتلفت، ولا يستجيب لصرخة ملهوف، ولا لحسرة مفارق، ولا لرغبة راغب ولا لخوف خائف‏!‏ الموت الذي يصرع الجبابرة بنفس السهولة التي يصرع بها الأقزام، ويقهر بها المتسلطين كما يقهر المستضعفين سواء‏!‏ الموت الذي لا حيلة للبشر فيه وهم مع هذا لا يتدبرون القوة القاهرة التي تجريه‏:‏

‏{‏كلا‏!‏ إذا بلغت التراقي، وقيل‏:‏ من راقٍ‏؟‏ وظن أنه الفراق، والتفت الساق بالساق‏.‏ إلى ربك يومئذ المساق‏}‏‏.‏‏.‏

إنه مشهد الاحتضار، يواجههم به النص القرآني كأنه حاضر، وكأنه يخرج من ثنايا الألفاظ ويتحرك كما تخرج ملامح الصورة من خلال لمسات الريشة‏!‏

‏{‏كلا إذا بلغت التراقي‏}‏‏.‏‏.‏ وحين تبلغ الروح التراقي يكون النزع الأخير، وتكون السكرات المذهلة، ويكون الكرب الذي تزوغ منه الأبصار‏.‏‏.‏ ويتلفت الحاضرون حول المحتضر يتلمسون حيلة أو وسيلة لاستنقاذ الروح المكروب‏:‏ ‏{‏وقيل‏:‏ من راقٍ‏؟‏‏}‏ لعل رُقية تفيد‏!‏‏.‏‏.‏ وتلوَّى المكروب من السكرات والنزع‏.‏‏.‏ ‏{‏والتفت الساق بالساق‏}‏‏.‏‏.‏ وبطلت كل حيلة، وعجزت كل وسيلة، وتبين الطريق الواحد الذي يساق إليه كل حي في نهاية المطاف‏:‏ ‏{‏إلى ربك يومئذ المساق‏}‏‏.‏‏.‏

إن المشهد ليكاد يتحرك وينطق‏.‏ وكل آية ترسم حركة‏.‏ وكل فقرة تخرج لمحة‏.‏ وحالة الاحتضار ترتسم ويرتسم معها الجزع والحيرة واللهفة ومواجهة الحقيقة القاسية المريرة، التي لا دافع لها ولا راد‏.‏‏.‏ ثم تظهر النهاية التي لا مفر منها‏.‏‏.‏ ‏{‏إلى ربك يومئذ المساق‏}‏‏.‏‏.‏

ويسدل الستار على المشهد الفاجع، وفي العين منه صورة، وفي الحس منه أثر، وعلى الجو كله وجوم صامت مرهوب‏.‏

وفي مواجهة المشهد المكروب الملهوف الجاد الواقع يعرض مشهد اللاهين المكذبين، الذين لا يستعدون بعمل ولا طاعة، بل يقدمون المعصية والتولي، في عبث ولهو، وفي اختيال بالمعصية والتولي‏:‏

‏{‏فلا صدق ولا صلى، ولكن كذب وتولى، ثم ذهب إلى أهله يتمطى‏}‏ ‏!‏‏.‏‏.‏

وقد ورد أن هذه الآيات تعني شخصاً معيناً بالذات، قيل هو أبو جهل «عمرو بن هشام»‏.‏

‏.‏ وكان يجيء أحياناً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه القرآن‏.‏ ثم يذهب عنه، فلا يؤمن ولا يطيع، ولا يتأدب ولا يخشى؛ ويؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول، ويصد عن سبيل الله‏.‏‏.‏ ثم يذهب مختالاً بما يفعل، فخوراً بما ارتكب من الشر، كأنما فعل شيئاً يذكر‏.‏‏.‏

والتعبير القرآني يتهكم به، ويسخر منه، ويثير السخرية كذلك، وهو يصور حركة اختياله بأنه ‏{‏يتمطى‏!‏‏}‏ يمط في ظهره ويتعاجب تعاجباً ثقيلاً كريهاً‏!‏

وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوة إلى الله، يسمع ويعرض، ويتفنن في الصد عن سبيل الله، والأذى للدعاة، ويمكر مكر السيئ، ويتولى وهو فخور بما أوقع من الشر والسوء، وبما أفسد في الأرض، وبما صد عن سبيل الله، وبما مكر لدينه وعقيدته وكاد‏!‏

والقرآن يواجه هذه الخيلاء الشريرة بالتهديد والوعيد‏:‏

‏{‏أولى لك فأولى‏.‏ ثم أولى لك فأولى‏}‏‏.‏‏.‏

وهو تعبير اصطلاحي يتضمن التهديد والوعيد، وقد أمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بخناق أبي جهل مرة، وهزه، وهو يقول له‏:‏ ‏{‏أولى لك فأولى‏.‏ ثم أولى لك فأولى‏}‏‏.‏‏.‏ فقال عدو الله‏:‏ أتوعدني يا محمد‏؟‏ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئاً‏.‏ وإني لأعز من مشى بين جبليها‏!‏‏!‏ فاخذه الله يوم بدر بيد المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبرب محمد القوي القهار المتكبر‏.‏ ومن قبله قال فرعون لقومه‏:‏ ‏{‏ما علمت لكم من إله غيري‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي‏؟‏‏}‏ ثم أخذه الله كذلك‏.‏

وكم من أبي جهل في تاريخ الدعوات يعتز بعشيرته وبقوته وبسلطانه؛ ويحسبها شيئاً، وينسى الله وأخذه‏.‏ حتى يأخذه أهون من بعوضة، وأحقر من ذبابة‏.‏‏.‏ إنما هو الأجل الموعود لا يستقدم لحظة ولا يستأخر‏.‏

وفي النهاية يمس القلوب بحقيقة أخرى واقعية في حياتهم، لها دلالتها على تدبير الله وتقديره لحياة الإنسان‏.‏ ولها دلالتها كذلك على النشأة الآخرة التي ينكرونها أشد الإنكار‏.‏ ولا مفر من مواجهتها، ولا حيلة في دفع دلالتها‏:‏

‏{‏أيحسب الإنسان أن يترك سدى‏؟‏ ألم يك نطفة من مني يمنى‏؟‏ ثم كان علقة فخلق فسوى‏؟‏ فجعل منه الزوجين‏:‏ الذكر والأنثى‏؟‏ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

وهذا المقطع الأخير العميق الإيقاع، يشتمل على لفتات عميقة إلى حقائق كبيرة‏.‏ ما كان المخاطبون بهذا القرآن يخطرونها على بالهم في ذلك الزمان‏.‏ وأولى هذه اللفتات تلك اللفتة إلى التقدير والتدبير في حياة الإنسان‏:‏

‏{‏أيحسب الإنسان أن يترك سدى‏}‏‏.‏‏.‏

فلقد كانت الحياة في نظر القوم حركة لا علة لها ولا هدف ولا غاية‏.‏‏.‏ أرحام تدفع وقبور تبلع‏.‏‏.‏ وبين هاتين لهو ولعب، وزينة وتفاخر، ومتاع قريب من متاع الحيوان‏.‏

‏.‏ فأما أن يكون هناك ناموس، وراءه هدف، ووراء الهدف حكمة؛ وأن يكون قدوم الإنسان إلى هذه الحياة وفق قدر يجري إلى غاية مقدرة، وأن ينتهي إلى حساب وجزاء، وأن تكون رحلته على هذه الأرض ابتلاء ينتهي إلى الحساب والجزاء‏.‏‏.‏ أما هذا التصور الدقيق المتناسق، والشعور بما وراءه من ألوهية قادرة مدبرة حكيمة، تفعل كل شيء بقدر، وتنهي كل شيء إلى نهاية‏.‏‏.‏ أما هذا فكان أبعد شيء عن تصور الناس ومداركهم، في ذلك الزمان‏.‏

والذي يميز الإنسان عن الحيوان، هو شعوره باتصال الزمان والأحداث والغايات‏.‏ وبوجود الهدف والغاية من وجوده الإنساني، ومن الوجود كله من حوله‏.‏ وارتقاؤه في سلم الإنسانية يتبع نمو شعوره هذا وسعته، ودقة تصوره لوجود الناموس، وارتباط الأحداث والأشياء بهذا الناموس‏.‏ فلا يعيش عمره لحظة لحظة، ولا حادثة حادثة، بل يرتبط في تصوره الزمان والمكان والماضي والحاضر والمستقبل‏.‏ ثم يرتبط هذا كله بالوجود الكبير ونواميسه‏.‏ ثم يرتبط هذا كله بإرادة عليا خالقة مدبرة لا تخلق الناس عبثاً ولا تتركهم سدى‏.‏

وهذا هو التصور الكبير الذي نقل القرآن الناس إليه منذ ذلك العهد البعيد، نقلة هائلة بالقياس إلى التصورات السائدة إذ ذاك وما تزال هائلة بالقياس إلى سائر التصورات الكونية التي عرفتها الفلسفة قديماً وحديثاً‏.‏

وهذه اللمسة‏:‏ ‏{‏أيحسب الإنسان أن يترك سدى‏}‏‏.‏‏.‏ هي إحدى لمسات القرآن التوجيهية للقلب البشري، كي يتلفت ويستحضر الروابط والصلات، والأهداف والغايات، والعلل والأسباب، التي تربط وجوده بالوجود كله، وبالإرادة المدبرة للوجود كله‏.‏

وفي غير تعقيد ولا غموض يأتي بالدلائل الواقعة البسيطة التي تشهد بأن الإنسان لن يترك سدى‏.‏‏.‏ إنها دلائل نشأته الأولى‏:‏

‏{‏ألم يك نطفة من مني يمنى‏؟‏ ثم كان علقة فخلق فسوى‏؟‏ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى‏؟‏‏}‏‏.‏

فما هذا الإنسان‏؟‏ مما خلق‏؟‏ وكيف كان‏؟‏ وكيف صار‏؟‏ وكيف قطع رحلته الكبيرة حتى جاء إلى هذا الكوكب‏؟‏

ألم يك نطفة صغيرة من الماء، من مني يمنى ويراق‏؟‏ ألم تتحول هذا النطفة من خلية واحدة صغيرة إلى علقة ذات وضع خاص في الرحم، تعلق بجدرانه لتعيش وتستمد الغذاء‏؟‏ فمن ذا الذي ألهمها هذه الحركة‏؟‏ ومن ذا الذي أودعها هذه القدرة‏؟‏ ومن ذا الذي وجهها هذا الاتجاه‏؟‏

ثم من ذا الذي خلقها بعد ذلك جنيناً معتدلاً منسق الأعضاء‏؟‏ مؤلفاً جسمه من ملايين الملايين من الخلايا الحية، وهو في الأصل خلية واحدة مع بويضة‏؟‏ والرحلة المديدة التي قطعها من الخلية الواحدة إلى الجنين السوي وهي أطول بمراحل من رحلته من مولده إلى مماته والتغيرات التي تحدث في كيانه في الرحلة الجنينية أكثر وأوسع مدى من كل ما يصادفه من الأحداث في رحلته من مولده إلى مماته‏!‏ فمن ذا الذي قاد هذه الرحلة المديدة، وهو خليقة صغيرة ضعيفة، لا عقل لها ولا مدارك ولا تجارب‏؟‏‏!‏

ثم في النهاية‏.‏

من ذا الذي جعل من الخلية الواحدة‏.‏‏.‏ الذكر والأنثى‏؟‏‏.‏‏.‏ أي إرادة كانت لهذه الخلية في أن تكون ذكراً‏؟‏ وأي إرادة لتلك في أن تكون أنثى‏؟‏ أم من ذا الذي يزعم أنه تدخل فقاد خطواتهما في ظلمات الرحم إلى هذا الاختيار‏؟‏‏!‏

إنه لا مفر من الإحساس باليد اللطيفة المدبرة التي قادت النطفة المراقة في طريقها الطويل، حتى انتهت بها إلى ذلك المصير‏.‏‏.‏ ‏{‏فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى‏}‏‏.‏‏.‏

وأمام هذه الحقيقة التي تفرض نفسها فرضاً على الحس البشري، يجيء الإيقاع الشامل لجملة من الحقائق التي تعالجها السورة‏:‏

‏{‏أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

بلى‏!‏ سبحانه‏!‏ فإنه لقادر على أن يحيي الموتى‏!‏

بلى‏!‏ سبحانه‏!‏ فإنه لقادر على النشأة الأخرى‏!‏

بلى‏!‏ سبحانه‏!‏ وما يملك الإنسان إلا أن يخشع أمام هذه الحقيقة التي تفرض نفسها فرضاً‏.‏

وهكذا تنتهي السورة بهذا الإيقاع الحاسم الجازم، القوي العميق، الذي يملأ الحس ويفيض، بحقيقة الوجود الإنساني وما وراءها من تدبير وتقدير‏.‏‏.‏

سورة الإنسان

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 31‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ‏(‏1‏)‏ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ‏(‏2‏)‏ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ‏(‏3‏)‏ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ‏(‏4‏)‏ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ‏(‏5‏)‏ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ‏(‏6‏)‏ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ‏(‏7‏)‏ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ‏(‏8‏)‏ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ‏(‏9‏)‏ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ‏(‏10‏)‏ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ‏(‏11‏)‏ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ‏(‏12‏)‏ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ‏(‏13‏)‏ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ‏(‏14‏)‏ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ ‏(‏15‏)‏ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ‏(‏16‏)‏ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا ‏(‏17‏)‏ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ‏(‏18‏)‏ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ‏(‏19‏)‏ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ‏(‏20‏)‏ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ‏(‏21‏)‏ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ‏(‏22‏)‏ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا ‏(‏23‏)‏ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا ‏(‏24‏)‏ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ‏(‏25‏)‏ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ‏(‏26‏)‏ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ‏(‏27‏)‏ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ‏(‏28‏)‏ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ‏(‏29‏)‏ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏30‏)‏ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏31‏)‏‏}‏

في بعض الروايات أن هذه السورة مدنية، ولكنها مكية؛ ومكيتها ظاهرة جداً، في موضوعها وفي سياقها، وفي سماتها كلها‏.‏ لهذا رجحنا الروايات الأخرى القائلة بمكيتها‏.‏ بل نحن نلمح من سياقها أنها من بواكير ما نزل من القرآن المكي‏.‏‏.‏ تشي بهذا صور النعيم الحسية المفصلة الطويلة، وصور العذاب الغليظ، كما يشي به توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصبر لحكم ربه، وعدم إطاعة آثم منهم أو كفور؛ مما كان يتنزل عند اشتداد الأذى على الدعوة وأصحابها في مكة، مع إمهال المشركين وتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم على الحق الذي نزل عليه، وعدم الميل إلى ما يدهنون به‏.‏‏.‏ كما جاء في سورة القلم، وفي سورة المزمل، وفي سورة المدثر، مما هو قريب من التوجيه في هذه السورة‏.‏‏.‏ واحتمال أن هذه السورة مدنية في نظرنا هو احتمال ضعيف جداً، يمكن عدم اعتباره‏!‏

والسورة في مجموعها هتاف رخي ندي إلى الطاعة، والالتجاء إلى الله، وابتغاء رضاه، وتذكر نعمته، والإحساس بفضله، واتقاء عذابه، واليقظة لابتلائه، وإدراك حكمته في الخلق والإنعام والابتلاء والإملاء‏.‏‏.‏

وهي تبدأ بلمسة رفيقة للقلب البشري‏:‏ أين كان قبل أن يكون‏؟‏ من الذي أوجده‏؟‏ ومن الذي جعله شيئاً مذكوراً في هذا الوجود‏؟‏ بعد أن لم يكن له ذكر ولا وجود‏:‏ ‏{‏هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً‏؟‏‏}‏‏.‏‏.‏

تتلوها لمسة أخرى عن حقيقة أصله ونشأته، وحكمة الله في خلقه، وتزويده بطاقاته ومداركه‏:‏ ‏{‏إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً‏}‏‏.‏‏.‏

ولمسة ثالثة عن هدايته إلى الطريق، وعونه على الهدى، وتركه بعد ذلك لمصيره الذي يختاره‏:‏ ‏{‏إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا‏}‏‏.‏‏.‏

وبعد هذه اللمسات الثلاث الموحية، وما تثيره في القلب من تفكير عميق، ونظرة إلى الوراء‏.‏ ثم نظرة إلى الأمام، ثم التحرج والتدبر عند اختيار الطريق‏.‏‏.‏ بعد هذه اللمسات الثلاث تأخذ السورة في الهتاف للإنسان وهو على مفرق الطريق لتحذيره من طريق النار‏.‏‏.‏ وترغيبه في طريق الجنة، بكل صور الترغيب، وبكل هواتف الراحة والمتاع والنعيم والتكريم‏:‏ ‏{‏إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيرا‏.‏ إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا‏.‏ عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا‏}‏‏.‏‏.‏

وقبل أن تمضي في عرض صور المتاع ترسم سمات هؤلاء الأبرار في عبارات كلها انعطاف ورقة وجمال وخشوع يناسب ذلك النعيم الهانئ الرغيد‏:‏ ‏{‏يوفون بالنذر، ويخافون يوماً كان شره مستطيراً، ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا‏.‏ إنا نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا‏.‏ إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا‏}‏‏.‏

ثم تعرض جزاء هؤلاء القائمين بالعزائم والتكاليف، الخائفين من اليوم العبوس القمطرير، الخيرين المطعمين على حاجتهم إلى الطعام، يبتغون وجه الله وحده، لا يريدون شكوراً من أحد، إنما يتقون اليوم العبوس القمطرير‏!‏

تعرض جزاء هؤلاء الخائفين الوجلين المطعمين المؤثرين‏.‏ فإذا هو الأمن والرخاء والنعيم اللين الرغيد‏:‏ ‏{‏فوقاهم الله شر ذلك اليوم، ولقاهم نضرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا‏.‏ متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريرا‏.‏ ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا‏.‏ ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا، قواريرا من فضة قدروها تقديرا‏.‏ ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا، عيناً فيها تسمى سلسبيلا‏.‏ ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً‏.‏ وإذا رأيت ثم رأيت نعيماً وملكاً كبيرا‏.‏ عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق، وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهورا‏.‏ إن هذا كان لكم جزآء وكان سعيكم مشكورا‏}‏‏.‏

فإذا انتهى معرض النعيم اللين الرغيد المطمئن الهانئ الودود، اتجه الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتثبيته على الدعوة في وجه الإعراض والكفر والتكذيب وتوجيهه إلى الصبر وانتظار حكم الله في الأمر؛ والاتصال بربه والاستمداد منه كلما طال الطريق‏:‏ ‏{‏إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا‏.‏ فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفورا‏.‏ واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلا‏}‏‏.‏‏.‏

ثم تذكيرهم باليوم الثقيل الذي لا يحسبون حسابه؛ والذي يخافه الأبرار ويتقونه، والتلويح لهم بهوان أمرهم على الله، الذي خلقهم ومنحهم ما هم فيه من القوة، وهو قادر على الذهاب بهم، والإتيان بقوم آخرين؛ لولا تفضله عليهم بالبقاء، لتمضي مشيئة الابتلاء‏.‏ ويلوح لهم في الختام بعاقبة هذا الابتلاء‏:‏ ‏{‏إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم يوماً ثقيلا‏.‏ نحن خلقناهم وشددنآ أسرهم وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا‏.‏ إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا‏.‏ وما تشآءون إلا أن يشآء الله، إن الله كان عليماً حكيما‏.‏ يدخل من يشآء في رحمته والظالمين أعد لهم عذاباً أليما‏}‏‏.‏‏.‏

تبدأ السورة بالتذكير بنشأة الإنسان وتقدير الله في هذه النشأة، على أساس الابتلاء، وتختم ببيان عاقبة الابتلاء، كما اقتضت المشيئة منذ الابتداء‏.‏ فتوحي بذلك البدء وهذا الختام بما وراء الحياة كلها من تدبير وتقدير، لا ينبغي معه أن يمضي الإنسان في استهتاره‏.‏ غير واع ولا مدرك، وهو مخلوق ليبتلى، وموهوب نعمة الإدراك لينجح في الابتلاء‏.‏

وبين المطلع والختام ترد أطول صورة قرآنية لمشاهد النعيم‏.‏ أو من أطولها إذا اعتبرنا ما جاء في سورة الواقعة من صور النعيم، وهو نعيم حسي في جملته، ومعه القبول والتكريم، وهو بتفصيله هذا وحسيته يوحي بمكيته، حيث كان القوم قريبي عهد بالجاهلية، شديدي التعلق بمتاع الحواس، يبهرهم هذا اللون ويعجبهم، ويثير تطلعهم ورغبتهم‏.‏

وما يزال هذا اللون من المتاع يثير تطلع صنوف من الناس، ويصلح جزاء لهم يرضي أعمق رغباتهم‏.‏ والله أعلم بخلقه ما يصلح لهم وما يصلح قلوبهم، وما يليق بهم كذلك وفق تكوينهم وشعورهم‏.‏ وهناك ما هو أعلى منه وأرق كالذي جاء في سورة القيامة‏:‏ ‏{‏وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة‏}‏ والله أعلم بما يصلح للعباد في كل حال‏.‏

‏{‏هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً‏؟‏ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً‏.‏ إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً‏}‏‏.‏‏.‏

هذا الاستفهام في مطلع السورة إنما هو للتقرير؛ ولكن وروده في هذه الصيغة كأنما ليسأل الإنسان نفسه‏:‏ ألا يعرف أنه أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً‏؟‏ ثم ألا يتدبر هذه الحقيقة ويتملاها‏؟‏ ثم ألا يفعل تدبرها في نفسه شيئاً من الشعور باليد التي دفعته إلى مسرح الحياة، وسلطت عليه النور، وجعلته شيئاً مذكوراً بعد أن لم يكن شيئاً مذكوراً‏؟‏

إنها إيحاءات كثيرة تنبض من وراء صيغة الاستفهام في هذا المقام‏.‏ وهي إيحاءات رفيقة وعميقة تثير في النفس تأملات شتى‏:‏

واحدة منها تتجه بالنفس إلى ما قبل خلق الإنسان ووجوده ابتداء‏.‏ يعيش فيها مع هذا الكون وقد خلا من الإنسان‏.‏‏.‏ كيف تراه كان‏؟‏‏.‏‏.‏ والإنسان مخلوق مغرور في نفسه وفي قيمته، حتى لينسى أن هذا الكون كان وعاش قبل أن يوجد هو بأدهار وأزمان طوال‏.‏ ولعل الكون لم يكن يتوقع خلق شيء يسمى «الإنسان»‏.‏‏.‏ حتى انبثق هذا الخلق من إرادة الله فكان‏!‏

وواحدة منها تتجه إلى اللحظة التي انبثق فيها هذا الوجود الإنساني‏.‏ وتضرب في تصورات شتى لهذه اللحظة التي لم يكن يعلمها إلا الله؛ والتي أضافت إلى الكون هذه الخليقة الجديدة، المقدر أمرها في حساب الله قبل أن تكون‏!‏ المحسوب دورها في خط هذا الكون الطويل‏!‏

وواحدة منها تتجه إلى تأمل يد القدرة وهي تدفع بهذا الكائن الجديد على مسرح الوجود؛ وتعده لدوره، وتعدّ له دوره، وتربط خيوط حياته بمحور الوجود كله؛ وتهيئ له الظروف التي تجعل بقاءه وأداء دوره ممكناً وميسوراً؛ وتتابعه بعد ذلك في كل خطوة، ومعها الخيط الذي تشده به إليها مع سائر خيوط هذا الكون الكبير‏!‏

وإيحاءات كثيرة وتأملات شتى، يطلقها هذا النص في الضمير‏.‏‏.‏ ينتهي منها القلب إلى الشعور بالقصد والغاية والتقدير، في المنشأ وفي الرحلة وفي المصير‏.‏

فأما امتداد هذا الإنسان بعد ذلك وبقاؤه فكانت له قصة أخرى‏:‏

‏{‏إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً‏}‏‏.‏‏.‏

والأمشاج‏:‏ الأخلاط‏.‏ وربما كانت هذه إشارة إلى تكون النطفة من خلية الذكر وبويضة الأنثى بعد التلقيح‏.‏

وربما كانت هذه الأخلاط تعني الوراثات الكامنة في النطفة، والتي يمثلها ما يسمونه علمياً «الجينات» وهي وحدات الوراثة الحاملة للصفات المميزة لجنس الإنسان أولاً ولصفات الجنين العائلية أخيراً‏.‏ وإليها يعزى سير النطفة الإنسانية في رحلتها لتكوين جنين إنسان، لا جنين أي حيوان آخر‏.‏ كما تعزى إليها وراثة الصفات الخاصة في الأسرة‏.‏‏.‏ ولعلها هي هذه الأمشاج المختلطة من وراثات شتى‏.‏‏.‏

خلقته يد القدرة هكذا من نطفة أمشاج، لا عبثاً ولا جزافاً ولا تسلية، ولكنه خلق ليبتلى ويمتحن ويختبر‏.‏ والله سبحانه يعلم ما هو‏؟‏ وما اختباره‏؟‏ وما ثمرة اختباره‏؟‏ ولكن المراد أن يظهر ذلك على مسرح الوجود، وأن تترتب عليه آثاره المقدرة في كيان الوجود، وأن تتبعه آثاره المقدرة‏.‏ ويجزى وفق ما يظهر من نتائج ابتلائه‏.‏

ومن ثم جعله سميعاً بصيراً‏.‏ أي زوده بوسائل الإدراك، ليستطيع التلقي والاستجابة‏.‏ وليدرك الأشياء والقيم ويحكم عليها ويختار‏.‏ ويجتاز الابتلاء وفق ما يختار‏.‏‏.‏

وإذن فإن إرادة الله في امتداد هذا الجنس وتكرر أفراده بالوسيلة التي قدرها، وهي خلقته من نطفة أمشاج‏.‏‏.‏ كانت وراءها حكمة‏.‏ وكان وراءها قصد‏.‏ ولم تكن فلتة‏.‏‏.‏ كان وراءها ابتلاء هذا الكائن واختباره‏.‏ ومن ثم وهب الاستعداد للتلقي والاستجابة، والمعرفة والاختبار‏.‏‏.‏ وكان كل شيء في خلقه وتزويده بالمدارك وابتلائه في الحياة‏.‏‏.‏ بمقدار‏!‏

ثم زوده إلى جانب المعرفة، بالقدرة على اختيار الطريق، وبين له الطريق الواصل‏.‏ ثم تركه ليختاره، أو ليضل ويشرد فيما وراءه من طرق لا تؤدي إلى الله‏:‏

‏{‏إنا هديناه السبيل‏:‏ إما شاكراً وإما كفوراً‏}‏‏.‏‏.‏

وعبر عن الهدى بالشكر‏.‏ لأن الشكر أقرب خاطر يرد على قلب المهتدي، بعد إذ يعلم أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، فأراد ربه له أن يكون شيئاً مذكوراً‏.‏ ووهب له السمع والبصر‏.‏ وزوده بالقدرة على المعرفة‏.‏ ثم هداه السبيل‏.‏ وتركه يختار‏.‏‏.‏ الشكر هو الخاطر الأول الذي يرد على القلب المؤمن في هذه المناسبة‏.‏ فإذا لم يشكر فهو الكفور‏.‏‏.‏ بهذه الصيغة الموغلة في الدلالة على الكفران‏.‏

ويشعر الإنسان بجدية الأمر ودقته بعد هذه اللمسات الثلاث‏.‏ ويدرك أنه مخلوق لغاية‏.‏ وأنه مشدود إلى محور‏.‏ وأنه مزود بالمعرفة فمحاسب عليها‏.‏ وأنه هنا ليبتلى ويجتاز الابتلاء‏.‏ فهو في فترة امتحان يقضيها على الأرض، لا في فترة لعب ولهو وإهمال‏!‏ ويخرج من هذه الآيات الثلاث القصار بذلك الرصيد من التأملات الرفيقة العميقة، كما يخرج منها مثقل الظهر بالتبعة والجد والوقار في تصور هذه الحياة، وفي الشعور بما وراءها من نتائج الابتلاء‏!‏ وتغير هذه الآيات الثلاث القصار من نظرته إلى غاية وجوده، ومن شعوره بحقيقة وجوده، ومن أخذه للحياة وقيمها بوجه عام‏.‏

ومن ثم يأخذ في عرض ما ينتظر الإنسان بعد الابتلاء، واختياره طريق الشكر أو طريق الكفران‏.‏

فأما ما ينتظر الكافرين، فيجمله إجمالاً، لأن ظل السورة هو ظل الرخاء الظاهر في الصورة والإيقاع‏.‏

وظل الهتاف المغري بالنعيم المريح‏.‏ فأما العذاب فيشير إليه في إجمال‏:‏

‏{‏إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً‏}‏‏.‏‏.‏

سلاسل للأقدام، وأغلالاً للأيدي، وناراً تتسعر يلقى فيها بالمسلسلين المغلولين‏!‏

ثم يسارع السياق إلى رخاء النعيم‏:‏

‏{‏إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً‏.‏ عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه العبارة تفيد أن شراب الأبرار في الجنة ممزوج بالكافور، يشربونه في كأس تغترف من عين تفجر لهم تفجيراً، في كثرة ووفرة‏.‏‏.‏ وقد كان العرب يمزجون كؤوس الخمر بالكافور حيناً وبالزنجبيل حيناً زيادة في التلذذ بها، فها هم أولاء يعلمون أن في الجنة شراباً طهوراً ممزوجاً بالكافور، على وفر وسعة‏.‏ فأما مستوى هذا الشراب فمفهوم أنه أحلى من شراب الدنيا، وأن لذة الشعور به تتضاعف وترقى، ونحن لا نملك في هذه الأرض أن نحدد مستوى ولا نوعاً للذة المتاع هناك‏.‏ فهي أوصاف للتقريب‏.‏ يعلم الله أن الناس لا يملكون سواها لتصور هذا الغيب المحجوب‏.‏

والتعبير يسميهم في الآية الأولى ‏{‏الأبرار‏}‏ ويسميهم في الآية الثانية ‏{‏عباد الله‏}‏‏.‏‏.‏ إيناساً وتكريماً وإعلاناً للفضل تارة، وللقرب من الله تارة، في معرض النعيم والتكريم‏.‏

ثم يعرف بهؤلاء الأبرار عباد الله الذين قسم لهم هذا المتاع‏:‏

‏{‏يوفون بالنذر، ويخافون يوماً كان شره مستطيراً، ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً‏.‏ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآءً ولا شكوراً‏.‏ إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً‏}‏‏.‏‏.‏

وهي صورة وضيئة شفافة لقلوب مخلصة جادة عازمة على الوفاء لله بتكاليف العقيدة، مع رحمة ندية بعباده الضعاف، وإيثار على النفس، وتحرج وخشية لله، ورغبة في رضاه، وإشفاق من عذابه تبعثه التقوى والجد في تصور الواجب الثقيل‏.‏

‏{‏يوفون بالنذر‏}‏ فيفعلون ما اعتزموا من الطاعات، وما التزموا من الواجبات‏.‏ فهم يأخذون الأمر جداً خالصاً لا يحاولون التفلت من تبعاته، ولا التفصي من أعبائه، ولا التخلي عنه بعد اعتزامه‏.‏ وهذا معنى أنهم يوفون بالنذر‏.‏ فهو أعم من المعنى العرفي المتبادر من كلمة ‏{‏النذر‏}‏‏.‏

‏{‏ويخافون يوماً كان شره مستطيراً‏}‏‏.‏‏.‏ فهم يدركون صفة هذا اليوم، الذي يتفشى شره ويصيب الكثيرين من المقصرين والمسيئين‏.‏ فيخافون أن ينالهم شيء من شره‏.‏ وهذه سمة الأتقياء، الشاعرين بثقل الواجب وضخامة التكاليف، الخائفين من التقصير والقصور، مهما قدموا من القرَب والطاعات‏.‏

‏{‏ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً‏}‏‏.‏‏.‏

وهي تصور شعور البر والعطف والخير ممثلاً في إطعام الطعام، مع حبه بسبب الحاجة إليه‏.‏ فمثل هذه القلوب لا يقال عنها‏:‏ إنها تحب الطعام الذي تطعمه للضعاف المحاويج على اختلاف أنواعهم‏.‏ إلا أن تكون في حاجة هي إلى هذا الطعام، ولكنها تؤثر به المحاويج‏.‏

وهذه اللفتة تشي بقسوة البيئة في مكة بين المشركين؛ وأنها كانت لا تفضي بشيء للمحاويج الضعاف؛ وإن كانت تبذل في مجالات المفاخرة الشيء الكثير‏.‏ فأما الأبرار عباد الله فكانوا واحة ظليلة في هذه الهاجرة الشحيحة‏.‏ وكانوا يطعمون الطعام بأريحية نفس، ورحمة قلب، وخلوص نية‏.‏ واتجاه إلى الله بالعمل، يحكيه السياق من حالهم، ومن منطوق قلوبهم‏.‏

‏{‏إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكوراً‏.‏ إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً‏}‏‏.‏‏.‏

فهي الرحمة الفائضة من القلوب الرقيقة الرفيقة، تتجه إلى الله تطلب رضاه‏.‏ ولا تبتغي بها جزاء من الخلق ولا شكراً، ولا تقصد بها استعلاء على المحتاجين ولا خيلاء‏.‏ كما تتقي بها يوماً عبوساً شديد العبوس، تتوقعه وتخشاه، وتتقيه بهذا الوقاء‏.‏ وقد دلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وهو يقول‏:‏ «اتق النار ولو بشق تمرة»‏.‏

وقد كان إطعام الطعام هكذا مباشرة هو وسيلة التعبير عن هذه العاطفة النبيلة الكريمة، ووسيلة الإشباع لحاجات المحاويج‏.‏ ولكن صور الإحسان ووسائله قد تتغير بحسب البيئات والظروف، فلا تظل في هذه الصورة البدائية المباشرة‏.‏ إلا أن الذي يجب الاحتفاظ به هو حساسية القلوب، وحيوية العاطفة، والرغبة في الخير ابتغاء وجه الله، والتجرد عن البواعث الأرضية من جزاء أو شكر أو نفع من منافع الحياة‏!‏

ولقد تنظم الضرائب، وتفرض التكاليف، وتخصص للضمان الاجتماعي، ولإسعاف المحاويج، ولكن هذا إنما يفي بشطر واحد من مزايا الاتجاه الإسلامي الذي ترمز إليه تلك الآيات، والذي توخاه بفريضة الزكاة‏.‏‏.‏ هذا الشطر هو كفاية حاجة المحتاجين‏.‏‏.‏ هذا شطر‏.‏‏.‏ والشطر الآخر هو تهذيب أرواح الباذلين، ورفعها إلى ذلك المستوى الكريم‏.‏ وهو شطر لا يجوز إغفاله ولا التهوين من شأنه فضلاً على أن تنقلب المعايير فيوصم ويقبح ويشوه، ويقال‏:‏ إنه إذلال للآخذين وإفساد للواهبين‏.‏

إن الإسلام عقيدة قلوب، ومنهج تربية لهذه القلوب‏.‏ والعاطفة الكريمة تهذب صاحبها وتنفع من يوجهها إليه من إخوانه‏.‏ فتفي بشطري التربية التي يقصد إليها هذا الدين‏.‏

ومن ثم كان ذلك التصوير الكريم لذلك الشعور الكريم‏.‏

‏{‏فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً‏}‏‏.‏‏.‏

يعجل السياق بذكر وقايتهم من شر ذلك اليوم الذي كانوا يخافونه، ليطمئنهم في الدنيا وهم يتلقون هذا القرآن ويصدقونه‏!‏ ويذكر أنهم تلقوا من الله نضرة وسروراً، لا يوماً عبوساً قمطريراً‏.‏ جزاءً وفاقاً على خشيتهم وخوفهم، وعلى نداوة قلوبهم ونضرة مشاعرهم‏.‏

ثم يمضي بعد ذلك في وصف مناعم الجنة التي وجدوها‏:‏

‏{‏وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً‏}‏‏.‏‏.‏ جنة يسكنونها وحريراً يلبسونه‏.‏

‏{‏متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً‏}‏‏.‏‏.‏ فهم في جلسة مريحة مطمئنة والجو حولهم رخاء ناعم دافئ في غير حر، نديّ في غير برد‏.‏ فلا شمس تلهب النسائم، ولا زمهرير وهو البرد القارس‏!‏ ولنا أن نقول‏:‏ إنه عالم آخر ليست فيه شمسنا هذه ولا شموس أخرى من نظائرها‏.‏

‏.‏ وكفى‏!‏

‏{‏ودانية عليهم ظلالها‏.‏ وذللت قطوفها تذليلاً‏}‏‏.‏‏.‏ وإذا دنت الظلال ودنت القطوف فهي الراحة والاسترواح على أمتع ما يمتد إليه الخيال‏!‏

فهذه هي الهيئة العامة لهذه الجنة التي جزى الله بها عباده الأبرار الذين رسم لهم تلك الصورة المرهفة اللطيفة الوضيئة في الدنيا‏.‏‏.‏ ثم تأتي تفصيلات المناعم والخدمات‏.‏‏.‏

‏{‏ويطاف عليهم بآنية من فضة، وأكواب كانت قواريرا، قواريرا من فضة قدروها تقديراً‏.‏ ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلاً‏.‏ عيناً فيها تسمى سلسبيلاً‏}‏‏.‏‏.‏

فهم في متاعهم‏.‏ متكئين على الأرائك بين الظلال الوارفة والقطوف الدانية والجو الرائق‏.‏‏.‏ يطاف عليهم بأشربة في آنية من فضة، وفي أكواب من فضة كذلك، ولكنها شفة كالقوارير، مما لا تعهده الأرض في آنية الفضة، وهي بأحجام مقدرة تقديراً يحقق المتاع والجمال‏.‏ ثم هي تمزج بالزنجبيل كما مزجت مرة بالكافور‏.‏ وهي كذلك تملأ من عين جارية تسمى سلسبيلاً، لشدة عذوبتها واستساغتها لدى الشاربين‏!‏

وزيادة في المتاع فإن الذين يطوفون بهذه الأواني والأكواب بالشراب هم غلمان صباح الوجوه، لا يفعل فيهم الزمن، ولا تدركهم السن؛ فهم مخلدون في سن الصباحة والصبا والوضاءة‏.‏ وهم هنا وهناك كاللؤلؤ المنثور‏:‏

‏{‏ويطوف عليهم ولدان مخلدون، إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً‏}‏‏.‏‏.‏

ثم يجمل السياق خطوط المنظر، ويلقي عليه نظرة كاملة تلخص وقعه في القلب والنظر‏:‏

‏{‏وإذا رأيت ثمّ رأيت نعيماً وملكاً كبيراً‏}‏‏.‏‏.‏

نعيماً وملكاً كبيراً‏.‏ هو الذي يعيش فيه الأبرار المقربون عباد الله هؤلاء، على وجه الإجمال والعموم‏!‏ ثم يخصص مظهراً من مظاهر النعيم والملك الكبير؛ كأنه تعليل لهذا الوصف وتفسير‏:‏

‏{‏عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق، وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً‏}‏‏.‏‏.‏

والسندس الحرير الرقيق، والإستبرق الحرير السميك المبطن‏.‏‏.‏ وهم في هذه الزينة وهذا المتاع، يتلقونه كله من ‏{‏ربهم‏}‏ فهو عطاء كريم من معط كريم‏.‏‏.‏ وهذه تضاف إلى قيمة ذلك النعيم‏!‏

ثم يتلقون عليه الود والتكريم‏:‏

‏{‏إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكوراً‏}‏‏.‏‏.‏

يتلقون هذا النطق من الملأ الأعلى‏.‏ وهو يعدل هذه المناعم كلها، ويمنحها قيمة أخرى فوق قيمتها‏.‏‏.‏

وهكذا ينتهي ذلك العرض المفصل والهتاف الموحي للقلوب، الهتاف إلى ذلك النعيم الطيب والفرار من السلاسل والأغلال والسعير‏.‏‏.‏ وهما طريقان‏.‏ طريق مؤد إلى الجنة هذه وطريق مؤد إلى السعير‏!‏

وبعد انتهاء هذا الهتاف إلى الجنة ونعيمها الهنيء الرغيد، يعالج حالة المشركين المصرين على العناد والتكذيب، الذين لا يدركون حقيقة الدعوة، فيساومون عليها الرسول صلى الله عليه وسلم لعله يكف عنها، أو عما يؤذيهم منها‏.‏ وبين المساومة للنبي صلى الله عليه وسلم وفتنة المؤمنين به وإيذائهم، والصد عن سبيل الله، والإعراض عن الخير والجنة والنعيم‏.‏

‏.‏ بين هذا كله يجيء المقطع الأخير في السورة يعالج هذا الموقف بطريقة القرآن الكريم‏:‏

‏{‏إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً‏.‏ فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً‏.‏ واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً‏.‏ ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً‏}‏‏.‏‏.‏

وفي هذه الآيات الأربع تكمن حقيقة كبيرة من حقائق الدعوة الإيمانية‏.‏ حقيقة ينبغي أن يعيش فيها الدعاة إلى الله طويلاً، وأن يتعمقوها تعمقاً كاملاً، وأن ينظروا بتدبر في مدلولاتها الواقعية والنفسية والإيمانية الكبيرة‏.‏

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يواجه المشركين بالدعوة إلى الله وحده‏.‏ وهو لم يكن يواجه في نفوسهم مجرد عقيدة‏.‏ ولو كان الأمر كذلك لكان أيسر كثيراً‏.‏ فإن عقيدة الشرك المهلهلة التي كانوا عليها لم تكن من القوة والثبات بحيث يصمدون بها هكذا لعقيدة الإسلام القوية الواضحة البسيطة‏.‏ إنما كانت الملابسات التي تحيط بالعقيدة وبالموقف هي التي تقود إلى تلك المعارضة العنيدة، التي شهدت بها الروايات التاريخية، وحكاها القرآن في مواضع منه شتى‏.‏‏.‏ كانت المكانة الاجتماعية، والاعتزاز بالقيم السائدة في البيئة، وما يتلبس بها كذلك من مصالح مادية‏.‏‏.‏ هي العنصر الأول الذي يقود إلى التشبث بالعقيدة الواهية الظاهرة البطلان، في وجه العقيدة القوية الظاهرة الاستقامة‏.‏‏.‏ ثم كانت صور الحياة الجاهلية ومتاعها ولذائذها وشهواتها إلى جانب ذلك تزيد المقاومة والعناد والتأبي على العقيدة الجديدة، وما فيها من اتجاهات أخلاقية وقيم رفيعة، لا تسمح بانطلاق الغرائز والشهوات؛ ولا بالحياة العابثة الماجنة المطلقة من كوابح الأخلاق‏.‏

وهذه الأسباب سواء ما يتعلق منها بالمكانة والقيم الاجتماعية والسلطان والمال والمصالح، وما يتعلق منها بالإلف والعادة وصور الحياة التقليدية، وما يتعلق منها بالانطلاق من القيم والقيود الأخلاقية كانت قائمة في وجه الدعوة الأولى، وهي هي قائمة في وجه الدعوة في كل أرض وفي كل جيل‏.‏ وهي تمثل العناصر الثابتة في معركة العقيدة، التي تجعلها معركة عنيدة لا تنتهي من قريب؛ وتجعل مشاقها وتكاليفها والثبات عليها من أعسر التكاليف‏.‏

ومن ثم ينبغي للدعاة إلى دين الله في أي أرض وفي أي زمان أن يعيشوا طويلاً في الحقيقة الكبيرة الكامنة في تلك الآيات، وملابسات نزولها على الرسول صلى الله عليه وسلم فهي ملابسات معركة واحدة يخوضها كل صاحب دعوة إلى الله، في أي أرض وفي أي زمان‏!‏

لقد تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم التكليف من ربه لينذر، وقيل له‏:‏ ‏{‏يا أيها المدثر‏.‏ قم فأنذر‏}‏ فلما أن نهض بالتكليف واجهته تلك العوامل والأسباب التي تصد القوم عن الدعوة الجديدة، وتثير في نفوسهم التشبث بما هم عليه على شعورهم بوهنه وهلهلته وتقودهم إلى العناد الشديد، ثم إلى الدفاع العنيد عن معتقداتهم وأوضاعهم ومكانتهم ومصالحهم‏.‏

ومألوف حياتهم، ولذائذهم وشهواتهم‏.‏‏.‏ إلى آخر ما تهدده الدعوة الجديدة أشد التهديد‏.‏

وأخذ هذا الدفاع العنيد صوراً شتى، في أولها إيذاء القلة المؤمنة التي استجابت للدعوة الجديدة، ومحاولة فتنتها عن عقيدتها بالتعذيب والتهديد‏.‏ ثم تشويه هذه العقيدة وإثارة الغبار حولها وحول نبيها صلى الله عليه وسلم بشتى التهم والأساليب‏.‏ كي لا ينضم إليها مؤمنون جدد‏.‏ فمنع الناس عن الانضمام إلى راية العقيدة قد يكون أيسر من فتنة الذين عرفوا حقيقتها وذاقوها‏!‏

وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم طرقاً شتى من الإغراء إلى جانب التهديد والإيذاء ليلتقي بهم في منتصف الطريق؛ ويكف عن الحملة الساحقة على معتقداتهم وأوضاعهم وتقاليدهم؛ ويصالحهم ويصالحونه على شيء يرتضيه ويرتضونه‏!‏ كما تعود الناس أن يلتقوا في منتصف الطريق عند الاختلاف على المصالح والمغانم وشؤون هذه الأرض المعهودة‏.‏

وهذه الوسائل ذاتها أو ما يشبهها هي التي يواجهها صاحب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل‏!‏

والنبي صلى الله عليه وسلم ولو أنه رسول، حفظه الله من الفتنة، وعصمه من الناس‏.‏‏.‏ إلا أنه بشر يواجه الواقع الثقيل في قلة من المؤمنين وضعف‏.‏ والله يعلم منه هذا، فلا يدعه وحده، ولا يدعه لمواجهة الواقع الثقيل بلا عون ومدد وتوجيه إلى معالم الطريق‏.‏

وهذه الآيات تتضمن حقيقة هذا العون والمدد والتوجيه‏:‏

‏{‏إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً‏}‏‏.‏

وهي اللفتة الأولى إلى مصدر التكليف بهذه الدعوة، وينبوع حقيقتها‏.‏‏.‏ إنها من الله‏.‏ هو مصدرها الوحيد‏.‏ وهو الذي نزل بها القرآن‏.‏ فليس لها مصدر آخر، ولا يمكن أن تختلط حقيقتها بشيء آخر لا يفيض من هذا الينبوع‏.‏ وكل ما عدا هذا المصدر لا يُتلقى عنه، ولا يُستمد منه، ولا يُستعار لهذه العقيدة منه شيء، ولا يخلط بها منه شيء‏.‏‏.‏ ثم إن الله الذي نزل هذا القرآن وكلف بهذه الدعوة لن يتركها‏.‏ ولن يترك الداعي إليها، وهو كلفه، وهو نزّل القرآن عليه‏.‏

ولكن الباطل يتبجح، والشر ينتفش، والأذى يصيب المؤمنين، والفتنة ترصد لهم؛ والصد عن سبيل الله يملكه أعداء الدعوة ويقومون به ويصرون عليه، فوق إصرارهم على عقيدتهم وأوضاعهم وتقاليدهم وفسادهم وشرهم الذي يلجون فيه‏!‏ ثم هم يعرضون المصالحة، وقسمة البلد بلدين، والالتقاء في منتصف الطريق‏.‏‏.‏ وهو عرض يصعب رده ورفضه في مثل تلك الظروف العصبية‏!‏

هنا تجيء اللفتة الثانية‏:‏

‏{‏فاصبر لحكم ربك، ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً‏}‏‏.‏‏.‏

إن الأمور مرهونه بقدر الله‏.‏ وهو يمهل الباطل، ويملي للشر، ويطيل أمد المحنة على المؤمنين والابتلاء والتمحيص‏.‏‏.‏ كل أولئك لحكمة يعلمها، يجري بها قدره، وينفذ بها حكمه‏.‏‏.‏ ‏{‏فاصبر لحكم ربك‏}‏‏.‏

‏.‏ حتى يجيء موعده المرسوم‏.‏‏.‏ اصبر على الأذى والفتنة‏.‏ واصبر على الباطل يغلب، والشر يتنفج‏.‏ ثم اصبر أكثر على ما أوتيته من الحق الذي نزل به القرآن عليك‏.‏ اصبر ولا تستمع لما يعرضونه من المصالحة والالتقاء في منتصف الطريق على حساب العقيدة‏:‏ ‏{‏ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً‏}‏‏.‏‏.‏ فهم لا يدعونك إلى طاعة ولا إلى بر ولا إلى خير‏.‏ فهم آثمون كفار‏.‏ يدعونك إلى شيء من الإثم والكفر إذن حين يدعونك إلى الالتقاء بهم في منتصف الطريق‏!‏ وحين يعرضون عليك ما يظنونه يرضيك ويغريك‏!‏ وقد كانوا يدعونه باسم شهوة السلطان، وباسم شهوة المال، وباسم شهوة الجسد‏.‏ فيعرضون عليه مناصب الرياسة فيهم والثراء، حتى يكون أغنى من أغناهم، كما يعرضون عليه الحسان الفاتنات، حيث كان عتبة بن ربيعة يقول له‏:‏ «ارجع عن هذا الأمر حتى أزوجك ابنتي، فإني من أجمل قريش بنات‏!‏»‏.‏‏.‏ كل الشهوات التي يعرضها أصحاب الباطل لشراء الدعاة في كل أرض وفي كل جيل‏!‏

‏{‏فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً‏}‏‏.‏‏.‏ فإنه لا لقاء بينك وبينهم؛ ولا يمكن أن تقام قنطرة للعبور عليها فوق الهوة الواسعة التي تفصل منهجك عن منهجهم، وتصورك للوجود كله عن تصورهم، وحقك عن باطلهم، وإيمانك عن كفرهم، ونورك عن ظلماتهم، ومعرفتك بالحق عن جاهليتهم‏!‏

اصبر ولو طال الأمد، واشتدت الفتنة وقوي الإغراء، وامتد الطريق‏.‏‏.‏

ولكن الصبر شاق، ولا بد من الزاد والمدد المعين‏:‏

‏{‏واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً، ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً‏}‏‏.‏

هذا هو الزاد‏.‏ اذكر ربك في الصباح والمساء، واسجد له بالليل وسبحه طويلاً‏.‏‏.‏ إنه الاتصال بالمصدر الذي نزّل عليك القرآن، وكلفك الدعوة، هو ينبوع القوة ومصدر الزاد والمدد‏.‏‏.‏ والاتصال به ذكرا وعبادة ودعاءً وتسبيحاً‏.‏‏.‏ ليلاً طويلاً‏.‏‏.‏ فالطريق طويل، والعبء ثقيل‏.‏ ولا بد من الزاد الكثير والمدد الكبير‏.‏ وهو هناك حيث يلتقي العبد بربه في خلوة وفي نجاء، وفي تطلع وفي أنس، تفيض منه الراحة على التعب والضنى، وتفيض منه القوة على الضعف والقلة‏.‏ وحيث تنفض الروح عنها صغائر المشاعر والشواغل، وترى عظمة التكليف، وضخامة الأمانة‏.‏ فتستصغر ما لاقت وما تلاقي من أشواك الطريق‏!‏

إن الله رحيم، كلف عبده الدعوة، ونزل عليه القرآن، وعرف متاعب العبء، وأشواك الطريق‏.‏ فلم يدع نبيه صلى الله عليه وسلم بلا عون أو مدد‏.‏ وهذا هو المدد الذي يعلم سبحانه أنه هو الزاد الحقيقي الصالح لهذه الرحلة المضنية في ذلك الطريق الشائك‏.‏‏.‏ وهو هو زاد أصحاب الدعوة إلى الله في كل أرض وفي كل جيل‏.‏ فهي دعوة واحدة‏.‏ ملابساتها واحدة‏.‏ وموقف الباطل منها واحد، وأسباب هذا الموقف واحدة‏.‏ ووسائل الباطل هي ذاتها وسائله‏.‏ فلتكن وسائل الحق هي الوسائل التي علم الله أنها وسائل هذا الطريق‏.‏

والحقيقة التي ينبغي أن يعيش فيها أصحاب الدعوة إلى الله هي هذه الحقيقة التي لقنها الله لصاحب الدعوة الأولى صلى الله عليه وسلم هي أن التكليف بهذه الدعوة تنزل من عند الله‏.‏ فهو صاحبها‏.‏ وأن الحق الذي تنزلت به لا يمكن مزجه بالباطل الذي يدعو إليه الآثمون الكفار‏.‏ فلا سبيل إلى التعاون بين حقها وباطلهم، أو الالتقاء في منتصف الطريق بين القائم على الحق والقائمين على الباطل‏.‏ فهما نهجان مختلفان، وطريقان لا يلتقيان‏.‏ فأما حين يغلب الباطل بقوته وجمعه على قلة المؤمنين وضعفهم، لحكمة يراها الله‏.‏‏.‏ فالصبر حتى يأتي الله بحكمه‏.‏ والاستمداد من الله والاستعانة بالدعاء والتسبيح ليلاً طويلاً هي الزاد المضمون لهذا الطريق‏.‏‏.‏

‏.‏‏.‏ إنها حقيقة كبيرة لا بد أن يدركها ويعيش فيها رواد هذا الطريق‏.‏‏.‏

ثم يمضي السياق في توكيد الافتراق بين منهج الرسول صلى الله عليه وسلم ومنهج الجاهلية‏.‏ بما يقرره من غفلتهم عن رؤية الخير لأنفسهم، ومن تفاهة اهتماماتهم، وصغر تصوراتهم‏.‏‏.‏ يقول‏:‏

‏{‏إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً‏}‏‏.‏‏.‏

إن هؤلاء، القريبي المطامح والاهتمامات، الصغار المطالب والتصورات‏.‏‏.‏ هؤلاء الصغار الزهيدين الذين يستغرقون في العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً‏.‏ ثقيلاً بتبعاته‏.‏ ثقيلاً بنتائجه‏.‏ ثقيلاً بوزنه في ميزان الحقيقة‏.‏‏.‏ إن هؤلاء لا يطاعون في شيء ولا يتبعون في طريق؛ ولا يلتقون مع المؤمنين في هدف ولا غاية، ولا يؤبه لما هم فيه من هذه العاجلة، من ثراء وسلطان ومتاع، فإنما هي العاجلة، وإنما هو المتاع القليل، وإنما هم الصغار الزهيدون‏!‏

ثم توحي الآية بغفلتهم عن رؤية الخير لأنفسهم‏.‏ فهم يختارون العاجلة، ويذرون اليوم الثقيل الذي ينتظرهم هناك بالسلاسل والأغلال والسعير، بعد الحساب العسير‏!‏

فهذه الآية استطراد في تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، في مواجهة هؤلاء الذين أوتوا من هذه العاجلة ما يحبون‏.‏ إلى جانب أنها تهديد ملفوف لأصحاب العاجلة باليوم الثقيل‏.‏

يتلو ذلك التهوين من أمرهم عند الله الذي أعطاهم ما هم فيه من قوة وبأس، وهو قادر على الذهاب بهم وتبديل غيرهم منهم‏.‏ ولكنه يتركهم لحكمة يجري بها قدره القديم‏:‏

‏{‏نحن خلقناهم وشددنا أسرهم، وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً‏}‏‏.‏‏.‏

وهذه اللفتة تذكر هؤلاء الذين يعتزون بقوتهم، بمصدر هذه القوة، بل مصدر وجودهم ابتداء‏.‏ ثم تطمئن الذين آمنوا وهم في حالة الضعف والقلة إلى أن واهب القوة هو الذي ينتسبون إليه وينهضون بدعوته‏.‏ كما تقرر في نفوسهم حقيقة قدر الله وما وراءه من حكمة مقصودة، هي التي تجري وفقها الأحداث حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين‏.‏

‏{‏وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً‏}‏‏.‏‏.‏ فهم لا يعجزون الله بقوتهم، وهو خلقهم وأعطاهم إياها‏.‏

وهو قادر على أن يخلق أمثالهم في مكانهم‏.‏‏.‏ فإذا أمهلهم ولم يبدل أمثالهم فهو فضله ومنته وهو قضاؤه وحكمته‏.‏‏.‏

ومن هنا تكون الآية استطراداً في تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه؛ وتقريراً لحقيقة موقفهم وموقف الآخرين‏.‏‏.‏ كما أنها لمسة لقلوب هؤلاء المستغرقين في العاجلة، المغترين بقوة أسرهم، ليذكروا نعمة الله، التي يتبطرون بها فلا يشكرونها؛ وليشعروا بالابتلاء الكامن وراء هذه النعمة‏.‏ وهو الابتلاء الذي قرره لهم في مطلع السورة‏.‏

ثم يوقظهم إلى الفرصة المتاحة لهم، والقرآن يعرض عليهم، وهذه السورة منه تذكرهم‏:‏

‏{‏إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً‏}‏‏.‏‏.‏

ويعقب على هذه اللفتة بإطلاق المشيئة، ورد كل شيء إليها، ليكون الاتجاه الأخير إليها، والاستسلام الأخير لحكمها؛ وليبرأ الإنسان من قوته إلى قوتها، ومن حوله إلى حولها‏.‏‏.‏ وهو الإسلام في صميمه وحقيقته‏:‏

‏{‏وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً‏}‏‏.‏‏.‏

ذلك كي تعلم قلوب البشر أن الله هو الفاعل المختار، المتصرف القهار، فتتعلم كيف تتجه إليه وتستسلم لقدره‏.‏‏.‏ وهذا هو مجال هذه الحقيقة الذي تجري فيه في مثل هذه النصوص‏.‏ مع تقرير ما شاءه الله لهم من منحهم القدرة على إدراك الحق والباطل، والاتجاه إلى هذا أو ذاك وفق مشيئة الله، العليم بحقيقة القلوب، وما أعان به العباد من هبة الإدراك والمعرفة، وبيان الطريق، وإرسال الرسل، وتنزيل القرآن‏.‏‏.‏ إلا أن هذا كله ينتهي إلى قدر الله، الذي يلجأ إليه الملتجئ، فيوفقه إلى الذكر والطاعة، فإذا لم يعرف في قلبه حقيقة القدرة المسيطرة، ولم يلجأ إليها لتعينه وتيسره، فلا هدى ولا ذكر، ولا توفيق إلى خير‏.‏‏.‏

ومن ثم فهو‏:‏

‏{‏يدخل من يشاء في رحمته، والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً‏}‏‏.‏‏.‏

فهي المشيئة المطلقة تتصرف بما تريد‏.‏ ومن إرادتها أن يدخل في رحمته من يشاء، ممن يلتجئون إليه، يطلبون عونه على الطاعة، وتوفيقه إلى الهدى‏.‏‏.‏ ‏{‏والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً‏}‏‏.‏ وقد أملى لهم وأمهلهم لينتهوا إلى هذا العذاب الأليم‏!‏

وهذا الختام يلتئم مع المطلع، ويصور نهاية الابتلاء، الذي خلق الله له الإنسان من نطفة أمشاج، ووهبه السمع والأبصار، وهداه السبيل إما إلى جنة وإما إلى نار‏.‏‏.‏